جلال الدين السيوطي

75

التحبير في علم التفسير

ثم انتشر القرّاء في الأقطار وتفرّقوا أمما [ بعد أمم ] واشتهر من رواه كل طريق من السّبعة راويان ، فعن نافع : قالون ، وورش عنه ؛ وعن ابن كثير : قنبل ، والبزّي عن أصحابهما عنه ؛ وعن أبي عمرو : الدّوري ، والسوسي عن اليزيدي عنه ؛ وعن ابن عامر : هشام ، وابن ذكوان عن أصحابهما عنه ؛ وعن الكسائي : الدّوري ، وأبو الحارث . ثم لمّا اتّسع الخرق وكاد الباطل أن يلتبس بالحق قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الوجوه والروايات ، وميّزوا الصحيح والمشهور والشاذ بأصول أصّلوها ، وأركان فصّلوها ، وأوّل من صنّف في القراءات : أبو عبيد القاسم ابن سلّام ، ثم أحمد بن جبير بن محمد الكوفي ، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون ، ثم أبو جعفر بن جرير الطّبري ، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني ، ثم أبو بكر بن مجاهد . ثم قام الناس في هذا العصر وبعده بالتأليف في أنواعها جامعا ومفردا وموجزا ومسهبا ، وأئمة المقرئين لا تحصى ، وقد صنّف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد اللّه الذّهبي ، ثم حافظ القرّاء : أبو الخير بن الجزري ولا مزيد على كتابيهما . النوع السّابع والعشرون : كيفيّة التحمّل هذا النوع من زيادتي ، وهو مهمّ وأوجه التّحمّل عند المحدّثين ثمانية : السّماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسّماع عليه بقراءة غيره ، والمناولة ، والإجازة والمكاتبة ، والوصية ، والإعلام . فأما غير الأوّلين فلا يأتي هنا كما ستعلم مما نذكره ، وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفا وخلفا ، وأما السّماع من لفظ الشّيخ فقد كنت أقول به هنا لأن الصحابة رضي اللّه عنهم إنما أخذوا القرآن من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكن لم يأخذ به أحد من القرّاء وهو ظاهر من جهة أن المقصود هنا كيفيّة الأداء ، وليس كلّ من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث ، فإن المقصود المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن ، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السّليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لمّا قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع ، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة ، فلم يكتف بقراءته .